شيخ محمد قوام الوشنوي
190
حياة النبي ( ص ) وسيرته
هذا الحد من السرعة غير ممتنعة ، فنفتقر هيهنا إلى بيان مقدمتين : المقدمة الأولى في إثبات انّ الحركة الواقعة إلى هذا الحد ممكنة في نفسها ، ويدل عليه وجوه : الأول - انّ الفلك الأعظم يتحرك من أول الليل إلى آخره ما يقرب من نصف الدور ، وقد ثبت في الهندسة أن نسبة القطر الواحد إلى الدور نسبة الواحد إلى ثلاثة وسبع ، فيلزم أن تكون نسبة نصف القطر إلى نصف الدور نسبة الواحد إلى ثلاثة وسبع ، وبتقدير أن يقال انّ رسول اللّه ( ص ) ارتفع من مكة إلى ما فوق الفلك الأعظم فهو لم يتحرك الّا بمقدار نصف القطر ، فلمّا حصل في ذلك القدر من الزمان حركة نصف الدور فكان حصول الحركة بمقدار نصف القطر أولى بالإمكان . فهذا برهان قاطع على أن الارتفاع من مكة إلى ما فوق العرش في مقدار ثلث من الليل أمر ممكن في نفسه ، وإذا كان كذلك كان حصوله في كل الليل أولى بالإمكان . الوجه الثاني - وهو أنه ثبت في الهندسة أن قرص الشمس يساوي كرة الأرض مائة وستين مرة ، ثمّ انّا نشاهد أن طلوع القرص يحصل في زمان لطيف سريع ، وذلك يدل على انّ بلوغ الحركة في السرعة إلى حد المذكور ممكن في نفسه . الوجه الثالث - أنه كما يستبعد في العقل صعود الجسم الكثيف من مركز العالم إلى ما فوق العرش فكذلك يستبعد نزول الجسم اللطيف الروحاني من فوق العرش إلى مركز العالم ، فإن كان القول بمعراج محمد ( ص ) في الليلة الواحدة ممتنعا في العقول كان القول بنزول جبريل من العرش إلى مكة في اللحظة الواحدة ممتنعا ، ولو حكمنا بهذا الامتناع كان ذلك طعنا في نبوة جميع الأنبياء عليهم السّلام ، والقول بثبوت المعراج فرع على تسليم جواز أصل النبوة ، فثبت أن القائلين بامتناع حصول حركة سريعة إلى هذا الحد يلزمهم القول متناع نزول جبريل في اللحظة من العرش إلى مكة ، ولمّا كان ذلك باطلا كان ما ذكروه أيضا باطلا . فإن قالوا : نحن لا نقول : انّ جبريل جسم ينتقل من مكان إلى مكان ، وانّما نقول المراد من نزول جبريل هو زوال الحجب الجسماني عن روح محمد ( ص ) حتّى يظهر في روحه من المكاشفات والمشاهدات بعض ما كان حاضرا متجليا في ذات جبريل . قلنا : تفسير الوحي بهذا الوجه هو قول الحكماء ، فأمّا جمهور المسلمين فهم مقرّون بأنّ